عجز مبكر


Warning: file_get_contents(): Unable to find the wrapper "https" - did you forget to enable it when you configured PHP? in /advance/wp/blogs.anazahra.com/wp-content/themes/newspaper/single.php on line 17

Warning: file_get_contents(https://graph.facebook.com/?ids=http://blogs.anazahra.com/myblog/hala/article-14359): failed to open stream: No such file or directory in /advance/wp/blogs.anazahra.com/wp-content/themes/newspaper/single.php on line 17
لا يوجد تعليقات بعد
| 12:59 في 2014/9/9

رايت ان العجوز متعبة قليلاً ، فطلبت منها ان تذهب لنيل قسط من الراحة ، وافقت بشرط ان لا اغادر .. وان انام معها، لم اتحلى بالجرأة لارفض .. مددت جسدي بجانب جسدها ،مسكت يدها وبقيت اطالع كفها ، الذي رغم كثرة تشققاته لا زال يبدو مهيباً.

هكذا كانت العجوز تنام اذاً .. عاقدة الحاجب فتبدو وكأنها غاضبة رغم انها ما غضبت يوماً ، رمش يجفن كل ثانية ، تطبق شفاهها الواحدة على الاخرى بطريقة تجعل وجنتاها تبدوان سمينتان.

بدت في لحظة حزينة ، وفي لحظة اخرى بدت وكأنها تحاول جاهدة كبح دموعها.

اتأمل تجاعيد وجهها ، واسأل نفسي من ياترى كان سببها؟

فتحت عينها وضحكت .. كشفت حقيقة اني ما اغمضت عيني مذ اللحظة الاولى، سألتني : أتعطيني وجهك مقابل تجاعيدي؟ اذ يبدو عليكِ اعجابك الشديد بها.

اكتفيت بأبتسامة، كنت على وشك سؤالها ، احزينة انتي؟ ولكنني فضلت تصنع العمى.

غطست صديقتي في نوم عميق ، قبلت رأسها بلطف ، وببطئ خرجت.

الغريب انني كلما ابتعدت عن جغرافيا منزل العجوز تراءى لي نواح امرأة حزينة وصراخ رجل، كان صوت الرجل حاداً ، مليئاً بالغضب ومخيفاً .. ومع كل خطوة اخطوها كنت اقترب اكثر من الصوت الذي بات يمزقني.

بدأت اقترب اكثر ، وبدأ الصوت يعلو اكثر.

فكرت في لحظة ان اعود ادراجي الى منزل العجوز تفادياً للموقف الذي سأكون به في حال رايتهم ، ولكنني خالفت ما رغبت به وتابعت خطواتي الثقيلة ، لمَ استحي من الموقف الذي سأكون به ان لم يستحي الرجل ان يكون بطله ؟

وفجأة وجدت نفسي الوسط في نزاع نشب بين زوج وزوجة، يصرخ احداهم على الاخر امام اطفالهم اللذين يرتجفون رعباً ، المرأة تصرخ باستحياء واضطراب وكأنها في صراخها تطلب النجدة ، اما الرجل يصرخ بعنف وغضب حتى انه كان على وشك صفعها ، وبحركة لا ارادية .. بحركة لم اتوقع ان اقوم بها يوماً ، مسكت يده الحارة وطلبت منه ان يهداً قليلاً!

بحزم قررت مسك الامر رغم انني اصغرهما عمراً ولكنني بدأت اقيس امور الحياة .. لا في العمر بل بما حمله العمر ، ويبدو ان العمر لم يحمل لهما ما يستحق الفخر، لذا فالرجل لا يخجل من الصراخ على امراة ، والمرأة لا تخجل من كونها طرف في مسرحية يطالعها المارة بمتعة.

نظرت الى الرجل بأشمئزاز ، ثم نظرت الى وجه المرأة بشفقة وكره لانها انجبت من هذه الطاغية طفلان بريئان، لم ارد التدخل فيما لا يعنيني ، فقط قلت : حلا ما بينكما داخل منزلكما ، لا داع لان تعرضا نفسكما للفرجة ، سآخذ الطفلان الان وسأعيدهما عند غروب الشمس.

اردت بشدة شرب قليل من القهوة ، رغبت شيئاً مراُ كمرارة ما يمر به الطفلان .. ان آثار الخلاف بين الابوين ظاهرة على الاطفال ، هما خجولين لدرجة يصعب فيها علي الحديث معهما بسهولة.

ذهبت بهما الى نفس المقهى الذي ذهبته في المرة الماضية، ذلك المقهى .. الذي رأيتك فيه من بعيد.

سألتهم اين تفضلون الجلوس؟ في النصف الداخلي ام الخارجي؟ لم يجيبوني .. بل دعوا لي حرية الاختيار.

في النصف الداخلي جلسنا ، حاولت اضحاكهم ولم استطع .. علمت حينها انهم ليسوا اطفالاً ، بهدوء بقيت انظر اليهم بينما يتحاشان هما النظر الي ، شربت قهوتي تحت انفاس صمتهما وانا افكر بكمية الشقاء الملقاة على ظهرهما ليتصرفا بهذه الطريقة الراقية والتي لا تمت للطفولة بصلة.

ان الوقت لا زال حتماً مبكرا على ان يفكرا بعواقب اقوالهم ، كما ان الوقت لا زال مبكراً على ان يعدوا للعشرة قبل ان ينطقوا بجملة قد يندموا عليها، ما هي اكبر خطيئة قد يقع فيها هذان الطفلان ؟

كان بي صرخة حاولت كبحها كثيراً، “تحدثا بكل ما تشتهيه نفسكم فأنا لن استطيع اخراسكم بأي حال من الاحوال ، تحدثا ، سيأتي الوقت الذي لن تستطيعا فيه الحديث .. بعد ان يتعود الجميع على صمتكما” ، ولكن النيران في جوفي احتضنت تلك الصرخات وهدأتها الى ان خمدت.

كم من دموع سقطت منهما ليسأما البكاء،  ويفضلا عليه الصمت.

كم من الحزن مر بهما ليفضلان الجلوس على اللعب ، والابتسامة المتصنعة على العبوس.

كم ياترى مقدار العطب في قلبهما ؟

انهم ليسوا اطفالاً،  بل يفوقونني عمراً ولذا كان الحديث معهما صعب.

حاولت مجاراتهما ، سألت احدهم : ماذا تكون هوايتك ؟

اجابني بقلق : الكتابة.

وضعت كوب القهوة جانباً ، حدثته دون مزاح : احقاً ! ماذا تكتب؟ ايعقل ان تكتب شعراً!

اكتب كل ما لا اسم له.

تذكرتك .. سألته بأستغراب : ماذا تقصد ؟

اكتب دون تفكير لذا فكل ما اكتبه لا اسم له.

 وفجأة رايته يتحدث بسيل من الكلمات وكأنه كان ينتظر سؤالي هذا، ليفتح جعبته المليئة بكل ما لم اتوقعه من جسد طفل.

“لا اعلم حقاً ماذا اكتب وتحت اي مسمى يقع ، لكنني امضي ساعات كثر وانا ممسك بقلم حتى يعرق كفي ويحدب اصبعي ،ولكن ذلك لا يهم .. ان ما اكتبه لا اسم له .. وحدها الكلمات في قلبي والتي لا استطيع كتابتها هي الاساس ، في الحقيقة .. ان كل ما لا يقال هو الاساس” قال الجسد الصغير.

اي طفل هذا؟ الذي يتحدث بلغة مواربة ويترك لي زوبعة الجمل المليئة بالغبار!

اتستطيع ان تريني بعضاً من كتاباتك؟ سألته وانا اتفحص عيناه اللتان فاضتا دمعاً فجأة ، وكأن ما قاله انتزع شوكة في قلبه ،لكن اثر الشوكة لا زال باق ، هرع الى حضني يبكي وهو يسألني معالجة جرحه.

حينها تأكدت انه ليس طفلاً ،بل هو عجوز.

Wafowie.ahlablog.com


ادعِ أصدقائك للمشاركة أو شاركي بترك تعليق

مساحات إعلانية