الأميرة على النافذة لم يمسسها أحد


Warning: file_get_contents(): Unable to find the wrapper "https" - did you forget to enable it when you configured PHP? in /advance/wp/blogs.anazahra.com/wp-content/themes/newspaper/single.php on line 17

Warning: file_get_contents(https://graph.facebook.com/?ids=http://blogs.anazahra.com/poetry/el-sayed/article-12593): failed to open stream: No such file or directory in /advance/wp/blogs.anazahra.com/wp-content/themes/newspaper/single.php on line 17
لا يوجد تعليقات بعد
| 0:48 في 2013/6/12

56620606

يقال إن شابا بسيطا تولّه في حب فتاة، الفتاة المرغوبة أميرة ذاع صيت حسنها ومبلغ ذكائها. ذهب الشاب يطلب الأميرة. وقد وافقت غير أنها اشترطت عليه شرطا واحدا قبل إتمام الزواج: أن يجلس تحت نافذتها مئة يوم ومئة ليلة برهانا على حبه. الشاب الموله حمل كرسيا و ذهب ليجلس تحت النافذة. وقد بقي حقا مدة طويلة هناك، في النهار و الليل، تحت الشمس و المطر، في البرد القارس و الحر الذي لا يطاق ناظرا إلى نافذة الفتاة التي كانت تطل بين وقت و آخر من وراء ستائر قصرها. و تقول الحكاية أنه كان ساهما عن كل ما حوله. متأملا.. ويجب أن نتخيل في الواقع أنه كان يملك كل الوقت اللازم لذلك جالسا على كرسيه في وقت لا يملؤه إلى الانتظار وحده. وخيال الأميرة الذي كان يدنو كلما انقضى وقت شرطها الغريب. كان الشاب ينتظر. وطيلة مئة يوم و مئة ليلة ظل جالسا هناك. ولكنه، وفي اللحظة التي كان فيها قد أتم مدة انتظاره نهض عن كرسيه و مضى دون أن يلتفت.

هذه حكاية عن الحب، إنها تقول، في أحد وجوهها، أن الشاب وقد برهن عن حبه، أنه وقد وهب الأميرة دليلا لا نهائيا عن عاطفة أختبرها تحت الريح و الأنواء، لم تعد به حاجة لأن يظفر بموضوع هذا الحب، الحبيبة نفسها. إنه يحمل انتظاره في داخله مثل ضوء سري و خاص. وأن في وسعه أن يمدد وقت الانتظار إلى ما لانهاية. هكذا يترك كرسي اعترافه و يمضي دون التفاتة حتى.

وقد تقول الحكاية أن الأميرة كانت تريده أن يختبر هذا النوع من التحول في العاطفة، أنها وهي تطل عليه كل يوم، عبر خيوط الشمس أو عبر خيوط المطر، كانت تنظر إلى طيفها و هو يتسلل خلسة إلى داخله على جسر الانتظار البطئ. وأن المسافة بين النافذة و الكرسي كانت مليئة بوقت سحري، الوقت الذي صار سرهما الخاص. الوقت الذي يختفي أخيرا في اللحظة التي يترك الشاب كرسيه و يغادر الأميرة نهائيا تاركا إياها عند شباكها.

ولكن الحكاية في المقابل قد تقول شيئا آخر عن المحبين: إنهم يفضلون صورة “الحب” على “الحب” نفسه. و يفضلون صورة تضحيتهم في “الحب” على المشاعر الحقيقية التي يعيشونها. و يفضلون الخلاصة الجميلة للحكايات الموجزة على التبعات المرهقة للروايات الطويلة و المعقدة. ماذا لو أن الشاب و الفتاة تزوجا فعلا؟ هل كنا لنحصل على حكاية بهذا القدر من الكثافة؟

ماذا لو تخيلنا طفلهما الأول و الثاني؟ أو لنتصور أنهما يجلسان معا إلى طاولة الطعام؟ هل تجيد هي الطبخ، هل تحب الطعام الحار في حين يفضل هو الأكلات الدسمة؟ ألا يمكن أن نتخيل “الأميرة” في المطبخ؟ الأميرة منكوشة الشعر في الصباح؟ الشاب العاشق وقد تهدل كرشه و تغضنت ملامحه؟ أليس للعاشق كرش؟

تنحي الحكاية كل هذا جانبا.. ليس للعاشق كرش بالتأكيد، وليس له جسد حتى. إنه كومة انتظار على كرسي وهي، المحبوبة، وعد مشبوك بالستائر عند نافذة عالية.

لا تقول الحكاية شيئا عن الناس الذين يمرون في الطريق. ألا يعبر عجوز هرم مثلا فيسخر من الشاب الجالس هناك ويعتبره “قليل عقل”. أو ربما تمر مجموعة من الشبان فتحرض العاشق مثلا على الغش: لماذا لا يترك مقعده لشخص آخر يلعب دوره ريثما يذهب هو للاستحمام مثلا و أخذ قسط من الراحة. ألا يتعاطف معه المارة فيتحدثون معه أو يزودونه بأخبار عن الأميرة، ألا يحاول البعض رده عن مقصده بسبب من التعاطف أو لمجرد التسلية ـ الناس تحب أن تتسلى أيضا ـ فيخبرونه بأن الأميرة نزقة و متكبرة ولا تستحق حقا كل هذا العناء. أو أن للأميرة معجبين كثر وأنها تسخر منه..

ألا يشعر هو بالغيرة فيما ينتظر صامدا في وجه الرياح و الأعاصير؟ ما الذي يتخيله العاشق جالسا على كرسيه؟ يتخيل الأميرة خارجة من الحمام؟ لا يتخيل أبدا؟ هل يضربه الصبية الصغار بالأحجار من نوافذ البيوت القريبة ليختبروا قدرته على الصبر ايضا؟

أوه، كل هذه الأسئلة لا مكان لها في الحكاية.. العالم غير موجود إلا لخدمة الحكاية يا صديقاتي.. وفي عالم الحكاية الأمور موجزة و مكثفة لتكون مليئة بالدلالات و قابلة لقراءات كثيرة.. لتكون فقط مفاتيح للخيال..

ولكن هناك الكثير من الرجال الذين يعيشون في عالم الحكاية البسيط فقط، يجلسون على كرسي و ينظرون إلى أميرة على النافذة….. ولكنهم يبقون ليتزوجوها بالطبع.. نهاية سعيدة.. ولا شيء أكثر من ذلك.. و الأميرة على النافذة لم يمسسها أحد قط.. إنها هناك تنتظر الرجل الأول. لا ماض لها، ولا عشاق، ولا ذكريات…


ادعِ أصدقائك للمشاركة أو شاركي بترك تعليق

مساحات إعلانية