ثمن الحب في حياة آنّا


Warning: file_get_contents(): Unable to find the wrapper "https" - did you forget to enable it when you configured PHP? in /advance/wp/blogs.anazahra.com/wp-content/themes/newspaper/single.php on line 17

Warning: file_get_contents(https://graph.facebook.com/?ids=http://blogs.anazahra.com/poetry/el-sayed/article-12745): failed to open stream: No such file or directory in /advance/wp/blogs.anazahra.com/wp-content/themes/newspaper/single.php on line 17
لا يوجد تعليقات بعد
| 11:50 في 2013/7/9

Anna Karenina

لماذا تستعيد السينما الحكاية نفسها مرات و مرات؟ 

أيكون هذا وله الأطفال الكامن في كل منا، نحب أن نعود إلى الحكايات التي سبق أن حفظناها عن ظهر قلب. حين كنت صغيرا كانت لي عمة تقص علينا حكايات ساحرة قبل النوم، وكانت ربما لرغبتها في خلق مزيد من التشويق و السحر أو لمجرد إضافة لمستها الخاصة على حكايات معروفة كنا حفظناها عن ظهر قلب، تضيف تفصيلا هنا، أو شخصية جديدة هناك، وكانت في كل مرة تتلقى صرخاتنا المتذمرة المطالبة بالعودة إلى صراط الحكاية المعروفة ذاته، الطريق الذي سبق أن مشيناه مع الأمير الضائع، أو القصر الذي جلنا فيه مع الأميرة السجينة، دون تبديل حجر واحد من بناء عالمنا المتخيل. 

الجدات أكثر حكمة، يعرفن أن السحر كله مختبئ في تكرار الحكاية ذاتها، كما هي. كلمة كلمة، خطوة خطوة. ولا أحد يعترض عليهن أبدا. 

شاهدت مجددا فيلما مأخوذا عن رواية “آنا كارنينا”، لا أدري كم مرة قبل ذلك حاولت السينما مقاربة اسرار هذه الرواية. وعلى الأرجح فمنذ البدايات البعيدة للسينما تعود رواية الحب الإشكالية هذه باستمرار لتلبس وجوها جديدة و تذهب للقاء قرائها. وفي كل مرة تستدعى نجمة جديدة لتسكن بيت المرأة العاشقة و المعذبة، المرأة المربكة والمعقدة التي منحت أسمها للرواية. كم من النجمات إذن أقمن في جسد الشخصية المتخيلة. كم وجها منحت السينما لاسم إمرأة واحدة، وكم وجها ما يزال ينتظر الكشف عنه. ومتى تكف حكاية ما عن قدرتها على إغواء الأطفال الذين يختبئون في دواخلنا؟.. 

حكاية آنا معروفة حتى لمن لم يقرأ الرواية، إسمها يدل على فكرة ما، يصعب شرحها هكذا ببساطة. علينا أن نقص الحكاية كلها، أن نقرأ الرواية و نعيد قرائتها. هي واحدة من أفضل قصص الحب، لهذا السبب بالضبط: إنها لا تقبل الإختزال. تخسر الرواية شيئا في كل مرة تروى فيها كحكاية فقط، كسرد متتابع لأحداث قابلة للفهم و التفسير.

“آنّا” لا تجلس في بيت من الإجابات الواضحة، حكاية الحب التي تعيشها متاهة مليئة بفخاخ الأسئلة. وأما ما ينتظرها، و ينتظرنا، في نهاية متاهتها فليس إلا مصيرا مفجعا و الكثير من الإدانات. وأيضا بلا أجوبة، لكل قارئ، لكل متفرج، أن يرى جانبا من عالم مركب و ملئ بالتناقضات و الأصوات…

تجري الحكاية في نهايات القرن التاسع عشر، في أجواء الطبقة الارستقراطية في روسيا القيصرية. تملك “آنّا” كل ما تحلم به إمرأة من وسطها، موقع اجتماعي مميز، متزوجة من “كارنينا” الموظف الرفيع في الحكومة و لها منه إبن صغير. تجري حياة العائلة بهدوء.. بسعادة وبشكل روتيني. 

يحدث أمر واحد يبدل حياة “آنا”، أمر بسيط و عادي تماما: تتلقى رسالة من أخيها يطلب فيها المساعدة بالحفاظ على زواجه المهدد بسبب مغامراته الكثيرة. تستقل القطار لكي تذهب إليه، وفي نهاية سفرها و بمصادفة بحته تلتقي بالسيدة فرونسكي التي ينتظرها ابنها وهو ضابط شاب ووسيم في المحطة. لا يستمر اللقاء إلا لحظات قليلة يذهب بعدها كل في اتجاه. غير أن انجذابا خفيا و غير مدرك ينشأ بين الضابط الشاب و المرأة المسافرة. بعد ذلك تجمعها المصادفة مرات و يتبادلان الكلام مرات أيضا. “آنا” التي تشعر بالارباك و لا تعلم ما تفعل بهذه الحكاية الوليدة لا تلبث أن تقرر العودة سريعا إلى بيتها و عائلتها. غير أن سلسلة مصادفات ستقود الشاب و المرأة إلى اللقاء مجددا. حتى تولد بينهما قصة حب سري لا يلبث أن يتحول إلى فضيحة. متى ولد هذا الحب؟ في محطة القطار؟ في لحظة ضجر خلال تبادل بعض الكلمات؟ في لحظة انتظار تقف فيها المرأة في بيت الأخ بدون فكرة واضحة؟ بعد ذلك؟ بعد أن تحولت المغامرة إلى فضيحة؟ من يملك إجابة عن مثل هذا السؤال.؟

ستهجر “آنا” عائلتها بعد ذلك لتعيش مع حبها الجديد. ستضطر إلى معاناة إبعاد طفلها عنها. ستعاني لعنة المجتمع و تخلي الجميع عنها، و العيش في عزلة بيتها الجديد، و حيدة و منبوذة. ولكن.. أليست هي مدانة أخلاقيا؟ ألم تتخلى عن عائلتها هي أيضا؟ هل يكون ما دفعها إلى ذلك هو الحب حقا أم اندفاع مقامر بلا مبرر؟ هل وجدت السعادة في حياتها الجديدة؟ هل ما قامت به تضحية كبيرة في سبيل الحب؟ أم خضوع مبتذل لدافع المغامرة المراهقة و تخل عن أمومتها؟ هل هذا هو الحب حقا ما تعيشه الآن ؟ من يملك إجابة عن مثل هذه الأسئلة؟

شخصيا في كل مرة أشعر بالتعاطف مع الشخصية و لكني أدينها في الوقت ذاته. أقرأ الحكاية ـ أو أشاهد الفيلم ـ ولا أتماهي مع بطلتها رغم أن مصيرها المفجع محزن فعلا، بقدر ما هو غير مفهوم و ملغز. 

مصير “آنا” غريب على نحو يضيء حياتها كلها. إنها في عزلة تزداد ثقلا بمرور الوقت. تغدو أكثر هشاشة و ضعفا، أكثر عرضا لنوبات عصبية و توتر غير مبرر غالبا. تستعجل العثور على شيء من الاستقرار مجددا و لا تلبث أن تقرأ في آلام الشعور بالذنب و الحنين إلى حياتها الماضية. تصبح أكثر نزقا مع “فرونسكي” الذي تخلت عن كل شيء من أجله.. وبعد واحدة من نزاعاتهما المتكاثرة، وفي تلاقي موكب من المصادفات أيضا، تجد نفسها في عربة تقودها إلى محطة القطار مجددا وهي عازمة على لقاء فرونسكي و مصالحته، إنها تبدو متصالحة مع نفسها أخيرا، تنظر بسلام إلى العالم الذي يعبر أمام نافذة العربة.. وحيدة ولكنها في سلام، و كأن وعودا كثيرة تنتفح أمامها، كأن العالم يقدم لها مشهدا مبهجا لها وحدها و يحدثها عن غد مليء بالسعادة و الحب.. الحب الذي كان سؤال حكايتها كلها .. تصل العربة إلى وجهتها، وما عليها الآن إلا أن تستقل القطار كما خططت.. تعود الحكاية إلى مشهد البداية مرة أخرى.. المرأة وحدها واقفة في محطة القطار تنتظر.. تتذكر المشهد القديم، عجوز واقف على حافة الرصيف ينتظر وصول القطار وفي اللحظة الحاسمة يلقي بنفسه تحت العجلات المعدنية.. يبدو لها المشهد بعيدا و مؤثرا.. مشهد لا يعنيها حقا.. تتذكره و تبتسم فقط.. و في اللحظة الحاسمة حين يصل قطارها هي، تلقي بنفسها تحت عجلاته المعدنية. ما الذي دفعها حقا إلى هذا الفعل؟ الشعور بالذنب؟ الشعور بالتعب و الإنهاك، أشبه بعداء وصل إلى اقصى طاقته ولم تعد به قدرة للمواصلة؟ دافع غير مفهوم للشخصية التي وصلت إلى أخر حكايتها عالقة بين ركام الأسئلة؟ أم لمجرد الفتنة التي لا تقاوم لتطابق صورة تذكرتها مع لحظة صفير القطار في مشهد مكرر؟ من يملك إجابة عن هذه الأسئلة.. أيضا وأيضا… هل ما قامت به دليل على رغبتها في التخلص مما فعلته و الاعتذار عن كل شيء؟ أم إعلان عن العجز و الرغبة في مغادرة كل شيء؟ كل قارئ يبحث عن إجاباته الخاصة

قد تكون هذه أفضل رواية عن الحب.. الدليل أن السينما تستعيدها مرارا.. و لكن ما السبب؟ .. ألا يكون كل تلك الأسئلة التي لا جواب عنها في حكاية واحدة..


ادعِ أصدقائك للمشاركة أو شاركي بترك تعليق

مساحات إعلانية