فيلم رعب أم هستيريا جماعية؟ الجزء الثاني

لا يوجد تعليقات بعد | 1:23 في 2014/7/16
56
تلك الليلة نمت في غرفة صديقتي، الغرفة 2 . وكم كنت سعيدة حين شاهدت خيوط الشمس تتغلغل من النافذة المفتوحة وتتراقص على أنغام زقزقة العصافير، كسيمفونية صباحية أيقظتني من نومي المضطرب.
حين ذهبت نزيلة الغرفة 20 لتعيد مفتاح غرفتها، بادرتها موظفة الإستقبال العجوز “لم لا تريدين النوم في غرفتك؟ هل أنت خائفة”؟ قلنا لها: كلنا خائفون. أجابت من دون تردد: “آه، هل شعرتم بالأشباح الموجودة في الفندق؟” صرخنا معاً: “أية أشباح؟ وهل هناك أشباح؟”. ردت بهدوء: “نعم، لكنها غير مؤذية، لا تخافوا”. لم أعرف ما إذا قالت ما قالته على سبيل المؤثرات الخاصة، لتتسلى عبر تعظيمها لمخاوفنا، أم لتعطي الفندق طابع الغموض والأصالة، لكن جملتها كانت كالرصاصة التي أطلقت على آخر ما تبقى لنا من منطق. واستطردت في روايتها: ” يبدو أن مالكة الفندق المتوفاة متعلقة به جداً وترفض أن ترحل. لقد عشقت الفندق وعاشت فيه إلا أنها أصيبت بالألزهايمر وتوفيت في الغرفة رقم 2″. قاطعتها: “لكن الغرفة رقم 2 لا تخيفنا. بل الغرفة رقم 4 المجاورة لها. ربما المالكة أضاعت غرفتها وصارت تزور غرفتي بسبب الألزهايمر؟”.
كان المزاح سبيلنا لتبديد مخاوفنا، وكنا نضحك كثيراً ونحن نقوم بجولة في المدينة. نزيلة الغرفة رقم 10، التي كانت الأشد حساسية بيننا للمورائيات والميتافيزيقيا، أخذت على عاتقها مهمة إبلاغنا، كلما مررنا بمتجر قديم، مقهى عتيق، أو ركن عادي في الشارع، بأنها تشعر بوجود شيء ما في هذا المكان أو ذاك، ما أسهم في تعاظم نوبات هلعنا. حين عدنا إلى الفندق، توجهت إلى غرفتي للاستحمام وتبديل ملابسي. أغلقت الباب من دون أن أقفله بالمفتاح، ودخلت إلى الحمام. خرجت لأجد باب غرفتي مفتوحاً، ظننت أن صديقتي أتت لزيارتي، لكن لِمَ لم تناديني؟ أغلقته جيداً وتأكدت من ذلك، ثم هرعت إلى حقيبة يدي لأتأكد من أن أحداً لم يكن يحاول سرقتي. فجأة، سمعت طقطقة وأدركت أن الباب يُفتح مجدداً… لوحده. انتابني هلع، وخرجت مسرعة من الغرفة، لأخبر صديقتي بما حدث. عدت معها ومع صديقتين لأخذ أغراضي من الغرفة، أغلقنا الباب وبدأنا بجمع الأغراض، وإذا بالباب يُفتح لوحده مجدداً. لم أعرف ماذا جرى بعد ذلك. فوضى جماعية؟ صراخ الفتيات وضحكهن الهستيري؟ ثم هرعهن خارج غرفتي، وتركي وحيدة أقف هناك، محاولة استيعاب وتفسير ما يحدث؟ لكن الكلمة الأخيرة كانت للخوف طبعاً، الذي تملكني ودفعني لترك كل شيء في الغرفة والركض خارجاً للحاق بصديقاتي، كل ذلك على وقع “الهششششششش” الصادرة من موظفة الاستقبال التي كانت تتمتم بأننا نخيف نزلاء الفندق بصراخنا.
هذا غيض من فيض مما حدث. من دون أن أنسى حادثة ضوء الغرفة رقم 10 الذي يُضاء لوحده، فقد قررنا جميعاً النوم في هذه الغرفة الواسعة، لأن أحداً منا لم يمتلك الجرأة للبقاء وحده في غرفته. ذلك الضوء لعب بأعصابنا، إلى أن أنهكنا التعب وقلة النوم، وحلّ الصباح وحلّ معه الفرج. كان ذلك موعد مغادرتنا في ساعة مبكرة. وجدنا الفان ينتظرنا خارح الفندق ليقلنا إلى المطار. استقبلتنا السائقة الفرنسية بنظرات التعاطف والشفقة حين رأت أشكالنا المُتعَبة، وذكرت شيئاً عن عدم شعورها بالراحة في هذا المكان، في محاولة منها للتسليم بصحة ما اختبرناه.
لم أنم في الفندق، ولا على الطائرة لشدة التوتر. وحين وطأت قدماي أرض الإمارات شعرت برغبة في الانحناء وتقبيل بلاط المطار، لكنني لم أرد أن أبدو أكثر جنوناً مما يوحيه شكلي، بعيني الحمراوين وشعري المشعث. لا أعرف ما إذا كان الفندق مسكوناً، أم إذا كان عتيقاً جداً إلى درجة أن الباب يفتح وحده لأن القفل معطّل، والضوء يُضاء وحده بسبب عطل كهربائي، والأغراض تقع وحدها لسبب ما منطقي غضضنا النظر عنه. لكن ما أعرفه أن هذه التجربة المضحكة-المرعبة ستبقى محفورة في ذاكرتي ما حييت.

ادعِ أصدقائك للمشاركة أو شاركي بترك تعليق

مساحات إعلانية